السبت، 17 ديسمبر، 2011

الشرك في اُمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا


مَن منّا يؤمن بإله غير الله؟.
هل نحن على يقين بأننا نخلص ديننا لله، ولا نشرك بالله شيئا؟.
هل قرأت حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟:
﴿الشرك في اُمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا!.
هل سألنا أنفسنا لماذا يخلّد القرآن هذه الأسماء..
اللات، العزى، مناة، ود، سواع، يغوث, يعوق، نسر، بعل
لماذا يخلّدها من بين الأصنام والأوثان جميعها؟!.
بل ونؤمر بحفظها, وتحفيظها لأبنائنا, وهي أبغض الأسماء عند الله؟.
تريث أخي المسلم, فهذا هو كل دينك, فإما أن تخلص دينك لله فتنجو, أو تشرك فتهلك!.
﴿وَلَقَدْ اُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ سُورَةُ الزُّمَرِ
تريث أخي, فما كان الله ليحذّرنا منه, إلا أن يكون عظيماً!.
وما كان الله ليحذر النبي محمدا صلى الله عليه وسلم منه, ويعفينا نحن!.
واعلم أن الدين الخالص إيمان وكفر. إيمان بالله, وكفر بما سواه من الطواغيت والأنداد.
﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّغوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى سُورَةُ البَقَرَةِ
وانظر أخي, كيف قدّم الله شرط الكفر على شرط الإيمان, في أول السور!.
ونحن المسلمون اليوم وَمَن قبلنا بمئات السنين، لم نشهد صنماً من الأصنام المذكورة في الكتاب، ولم نسمع بها لولا ما ذكره الله لنا فيه، وأثبتها بأسمائها، فأصبحت قرآناً خالداً يتلى عند الحجر الأسود في البيت الحرام, يأجر الله أحدنا بذكر أحرف آلهة الشرك بعشر حسنات لكل حرف حين نتلوها من كتاب الله, فيما نؤجر بذكر اسم الله, حسنة واحدة إذا ذكرناه خارج القرآن؟. إلا أن يكون أمراً عظيماً.
فلِمَ يخلّدها الله بأسمائها, بعد ما أسلمنا له, ولم نعد نؤمن بغير أسمائه الحسنى؟!
لابد أنها باقية في الناس, وإن هُدمت أنصابها الحجر، فإنها أصنام وأوثان مكنونة في النفوسوالقلوب!.
كما بَيّن النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لا يذهبُ الليلُ والنهارُ حتى تُعبد اللات والعزى رواه مسلم
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللّتَ وَالْعُزَّى, ﴿وَمَنَواةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى سُورَةُ النَّجْمِ
﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا نُوح
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ سُورَةُ الصَّافَّآت
فهذه هي الآلهة الباطلة التسعة.. وهذا ذكرها في القرآن..
والمتدبر في الآيات التي ذكَرَت أسماءها؛ يرى أن خمساً منها من عهد نوح، وثلاثة في عهد محمد صلى الله عليه وسلم, وبعل بين العهدين, فيما لا نجد إسماً واحداً لآلهة واحدة عند أبينا إبراهيم, وهو الذي قارع الأصنام والأوثان أكثر ما قارع..
فما الحكمة بأن تُذكر عند نوح ومحمد دون إبراهيم صلى الله عليه وسلم!؟.
والجواب: أن نوحاً ومحمداً صلى الله عليه وسلم, هما أول من أرسل وآخر من أرسل، والدين كله محصور من نوح الى محمد صلى الله عليه وسلم, كما يتلو علينا الكتاب ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ سُورَةُ النِّسَاءِ
فوجب إن كان الدين كله ما اُوحي من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم, وجب كذلك أن يكون الشرك كله ما قارعه النبيون من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم.
فخمسة من هذه الآلهة الباطلة ذكرت في سورة نوح وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً. فإذا وقفنا لنسأل لماذا يُخلّد الله هذه الأسماء في كتابه، وهي أبغض الأسماء عند الله، ولِم اختار ربنا بعلمه المطلق المحكم هذه الآلهة دون غيرها ليثبتها في الذكر الحكيم؟، ونحن نعلم أن رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم, قد حضر أكثر من ثلاثمائة منها، كان هبل واحداً منها ومن أشهرها, ولم تذكره الآيات، وذكرت بدلاً منه مناة وهي أقل شهرة منه وذكراً، واللات والعزى ومناة كانت كلها خارج مكة، فيما لم يذكر الذي لا شريك له صنماً من أصنام مكة؟.
إذا بحثنا عن أجوبة لهذه الأسئلة في الكتب التي بين أيدينا فلن نجد جواباً شافياً، إذ ليس فيها إلا تأريخاً وتوثيقاً لأسمائها وقبائلها وعُبّادها، دون أن تقول الكتب لنا ما وراء هذه الأسماء، ولم هذا التخليد لأبغض الأسماء, ونحن في غنى عنها وعن أسمائها؟. فلا بدّ من التدبر والجهد, فإما الله والنجاة, أو الشرك والهلاك﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ سُورَةُ الأَنْفَالِ
فهي محفوظة لنجتنبها..فكيف نجتنبها ونحن لا نعرفها؟.
ولنبدأ بتدبر أسمائها واحدة واحدة، علّنا نعلم ما وراءها فنجتنبها فنخلص ديننا لله لا شريك له. فالله يُعبد ويدعى بأسمائه الحسنى، وهذه الأوثان والأصنام تدعى بأسمائها السوءى، فنعرف معاني أسماء ربنا فندعوه بها، ونعرف معاني أسماء الأصنام فنجتنبها بها.
فمن عرف معنى الرزاق, فقد عرف من يدعو ومتى يدعو, ومن عرف معنى اللات فقد عرف من يجتنب, ومتى وكيف يجتنب!.
ود
ولعله من أكثر الأوثان حضوراً وشيوعاً وسلاسة بين الناس، إنه الوُد بضم الواو -وهي قراءة متواترة-, الوُد فيما يعتري الناس من علاقات وديّة باطلة، قد تنتصب وثناً فيما بين الناس وبين ربهم، فكل مودة تعترض أوامر الله، وتخالف نواهيه إنما هي وثن صغُر أم كبر، مقره القلب ودواعيه مودة ما يُسخط الله، واقرأوا عن إبراهيم عليه السلام ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا سُورَةُ العَنْكَبوتِ.
فها هي واضحة أوثانا مودة، واقرأوا من سورة المجادلة ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ, فمودةٌ على علم لمن حادّ الله ورسوله، شرك، فكيف تجمع في قلبك بين مودة الله وبين مودة عدو الله؟.
ثم آية الممتحنة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ فهذا وثن ود الذي تغذيه علاقات الود في معصية الله بين الناس، فيقدم الوادّ مودته لما يسخط الله على أوامر الله، فيعصى بها الله، فيصير بها مشركاً، واقرأوا على لسان ابراهيم عليه السلام ﴿يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا سورة مريم، فالطاعة في المعصية عبادة والعبادة لغير الله إنما هي الشرك.
وقد يود الرجل زوجته فيَعق بمودتها ورغباتها والديه أو أحدهما فتجب له النار بهذه الطاعة لهذا الود الوثن!. والله يُحب المودة بين الزوجين في غير معصيتة.
وقد يحب ماله فيعبده من دون الله, لقول المعصوم صلى الله عليه وسلمتعس عبد الدينار والدرهم.رواه البخاريفعبادة الدرهم هي حبه!.
والود علاقة لازمة مزروعة في قلب الإنسان لا يملك لها رداً, فيريد الله ألا تقوم لغيره، فإن أطاعه العبد وأخلص له، أبدله الله بها خيراً ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ (وُدًّا) سُورَةُ مَرْيَمَ ﴿إنَّ رَبِّي رحِيِمٌ وَدُودٌ سورة هود.
فود الرحمن دعوة توحيد ورضى, وود غير الرحمن على معصية، شرك وسَخَط.
فانظر في وُدك فلا توادد إلا ما يرضي الرحمن, واجتنب ودا!.
سُواع
وهو الشرك المبتور الذي يلي ودا ويتبعه، ولن تجد -كما أشرنا- في الكتب، ما يذهب وراء اللفظ إلى معناه شيئاً، إلا ما ذُكر أنه صنم لقوم نوح أو هُذيل، وفي الحالتين, فإن الصنم هُدم وهلك، فما لنا نحن فيه، وماذا وراء سواع؟.
تستعمل العرب سواعاً -من بين ما تستعمله له- في المذي الذي يسبق مَنِيّ الرجل, والعرب تستخدم تصاريف سواع فيما حول ذلك من شهوات الجنس ومقدماتها وغباتها. وليراجع من أراد التفصيللسان العرب.
فـسواعوثن منصوب ظاهر بين الناس ذو حضور صريح صارخ، لا يغفله أحد, ولم يزل الناس يوفضون إليه ويرغبون..
فهو وثن لآلهة الجنس التي لم تخل أمة من نصبه وتعزيزه. وعبادة الفرج ملّة حاضرة بين كثير من الناس على اختلاف درجاتها واختلاف إيمانهم، فقد نجد من المؤمنين من لا يملك لهذا الوثن رداً. فتراه يسعى ويجري وينفق حتى يشبع سواعه، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ سُورَةُ يُوسُفَ وأوصى صلى الله عليه وسلم فقال: فاتقوا الدنيا واتقوا النساء رواه مسلم.
ولعل هذا التتابع والتواصل بين ود و سواع له كثير من المعاني والتبريرات، فمن استسلم لـوَد يوشك أن يركع لـسواع، تعالى الله عما يشركون.
فانظر حولك -يرحمك الله- فاجتنب سواع الشهوة والجنس !.
يَغُوث
وجذر الإغاثة وأحرفها واضحة جلية في بناء هذه الآلهة الندّ, وهو وثن الضعفاء والخائفين وملجأهم, من الذين لم يَأمنوا بأمن الله، حتى إذا مسهم الضر وأصابهم السوء سارعوا الى يغوث وتركوا ربهم ومولاهم.﴿أمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأرْضِ.. أءِلهٌ مَعَ اللّهِ سُورَةُ النَّمْلِ
فكل أبواب الاستغاثة وتراكيبها ما لم تخلص لوجه الله وأسمائه الحسنى، أبواب شرك بـيغوث. سواء كانت بـيغوث صغير أو يغوث كبير، وفي حياة الناس فرادى وجماعات ودول, فيها للمتدبرين أمثال ناطقات.
ولا يعني هذا بالطبع أن لا تستعين أو تستغيث بأحد من إخوانك وأهلك, ولكن المقصود أن لا تعتقد أن ذلك المستغاث به, ينفع أو يضر أو يصرف عنك سوءاً من دون الله. كما يفعل من يستغيث بـالعذراء مريم, أو بالسيدة زينب, أو بسيدي فلان، أو حتى بنبيّ أو وليّ حي أو ميت!. وإذا استعنت فاستعن بالله!رواه أحمد
فانظر حولك –يرحمك الله- فاجتنب يغوثاً, ولا تستغث بمخلوق وتترك الخالق؛ ربَّك الذي خلقك وحفظك!.
يَعُوق
وهو الند المتتابع المتشارك للآلهة الوثن يغوث, مثلما يتتابع ويتشارك وثنا ود وسواع.
ذلك أن العبد بين قطبي عبادة ظاهريْن يتنازعانه، فإما أن يعبد رهباً، وإما أن يعبد رغباً ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَرِعونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ
والناس بخير ما داموا موصولين بربهم قريبين منه, حتى إذا تباعدوا وتغافلوا نسوا فأشركوا وكفروا.﴿وَلَكِنَّا أنْشَأنَا قرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ سُورَةُ القصص, فتبدأ الأصنام والأوثان صغيرة ناشئة, حتى إذا استمرأ الناس صغائرهم, كبرت فصارت جذوراً وأنصاباً.
إنه يعوق رديف يغوث، بجذر العَوْق والتعويق ليدفع مع المشرك به ويدفع له. فما يُنفق أو يُدفع أو يُذبح لغير الله من أجل صرف بلاء أو محنة, فهو من التعويق والدفع، بينما المؤمن الحق لا يرجو هذا من غير الله ، فمن خاف أحداً فليقل بقوله صلى الله عليه وسلم:اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهمدفعاً عنا ودفعاً معنا.
فانظر حولك –يرحمك الله- فاجتنبيعوقا، فلا تُقَدِّم ولا تنفق, ولا تذبح لغير الله, رجاء دفع الشر أو صرفه!.
فمن ظنّ أنّ أحداً ينفع أو يضر بغير إذن الله, فأنفق له أو قرّب له قرباناً, فقد أشرك!. إنما هو الله الذي ينفع ويضر، ﴿وإن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يمَسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِ شَيءٍ قَدِيرٌ.الأنعام
نَسْر
وللكلمة ما لها من الهيبة والرمزية والعلوية، التي لطالما شَخَص الناس بأبصارهم لمثلها، فترهبهم تارة وتعجبهم تارة أخرى، فتصبح عندهم علماً لوثن، وعلامة محفورة لمقصود معبود، وهذا الوثن -بتعريف العربية له-، يمتلئ برائحة الرموز والعلامات والشعائر.
فنسر بلسان العرب تعني: كشط، كما تُكشَط الرموز وتعلّم الشعارات، ثم انظر حولك لترى أن لكل وجهة تعبد من دون الله، شعاراً يكشط كشطاً وينسر نسراً, فيجعل على الرايات والصدور، فيُعلم عُبّادها من دون الناس, ويَعلم بعضهم بعضاً، فلكلّ إيمانٍ وملّةٍ شعارها ورمزها، مهما شذّت وشطّت، يُصان ويُحمى حماه بالمال والأنفس. ألا ترى كيف تقاتل الأمم على نسرها وشعارها وعَلَمها؟.
وقد صحّ عن نبينا المعصوم صلى الله عليه وسلم, نهيه أن يقاتل المرء تحت راية عُمِّيّة!.
فانظر حولك واجتنب نَسرا، ولا تتبع رمزاً ولا شعاراً بغير هدى!.
اللات
اللات عند بعض أهل العلم باللسان، مؤنث للفظ الجلالة، وهو أخطرها وأكبرها على صَغارها وهوانها, لما يقترب به من الاسم العلي تعالى الله علواً كبيراً.
واللاتّ بتشديد التاء, قراءة أخرى متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهي من اللتّ, وهو الدق والشد والسحق والإيثاق والفتّ. ولهذه المعاني من الدلالات ما لها من القوة والاستعلاء والسطوة.
وهو بهذا صنم لكل وجهة يراد بها أن تكون نداً لله بعلوه وكبريائه وسيادته وسطوته وطَوْله، ولن يعجز المستبصر إن تحسس حوله, أن يرى لكل عصر لاتاً وقوة عظمى, تُعبد من دون الله، يحميها ويقوم على رفادتها وهيبتها قوة عظمى تلِتُّ حولها فتحكم بقوة وتسود بشدة, وتوثق وتسحق, وتُرهب إرهاباً، وتكاد تشي لنفسها باللفظ الجليل نفسه -الله-، لولا أن يكذبها الناس!. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي. القصص
فانظر حولك -يرحمك الله- واجتنب اللات، ولا تخش ولا ترهب ولا تخضع ولا تركع إلا لله!. ﴿إنّمَا هُوَ إلَهٌ وَاحِدٌ فَإيَّي فَارْهَبُون.
العُزّى
وهي كسابقتها الباطلة، وهي تليها وتتابعها، فحيثما كانت لات بالوصف السابق المذكور، نبتت من حولها عُزى ترفد لها وتعضدها وتزكيها.
والعزى كاللات، مؤنث العزيز – تعالى الله العزيز – وهي مقصد ومبتغى ووجهة، فترى التي حالها حال اللات تنطق بالعزة وتملك العزة، فتعطيها وتسلبها، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ ءالِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا سُورَةُ مَرْيَمَ. وترى السحرة لما نافسوا موسى استفتحوا باسم العزى فقالوا: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، وفرعون لاتٌ بكل معاني الكلمة، فلا جرم تبتغى عُزّاه!.
وانظروا ما أحسن كلام الله وأمتنه ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا, الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ (الْعِزَّةَ) فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا النِّسَاء. ِ فلله العزة جميعا، لا يشاركه فيها شريك، لا العزى ولا غيرها!
فمن ابتغى العزة عند غير الله، أشرك بالله، تعالى الله. ولا شك أن العُزى اليوم ظاهرة كالشمس، في الذين يزدلفون إلى لاتهم ليبتغوا عندهم العُزى!.
فانظر حولك -يرحمك الله- واجتنب العُزّى، فلا تعتزز بغير الله!.
مَناة
مناة في لسان العرب من المَنْيَة، وهي القدر، إذ تقول العرب: مناه الله، أي قدّره، ومنها منيّة الرجل عن موته المقدر له.
وكان يقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا, مناءة، بالهمز، وهي من النوء، والنوء عند العرب النجم، ولا جرم ذكرها الله في سورة النجم وختمها بذكر الشعرى –وهو نجم تعرفه العرب-, لما كانت ترد أليه العرب من الغيب والأقدار والأسباب, وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين فيما يرويه عن ربه يجزم بهذا: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر, فمن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فقد آمن بالله وكفر بالكوكب, ومن قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فقد آمن بالكوكب وكفر بالله.
فالشرك بالنوء، شرك بمناة, شرك بمن جعل القدر لغير الله، مثلما جعل المؤمنون بالكوكب نوءهم ومناتهم لغير الله.
وهذه الثالثة الأخرى، تتابع الاثنتين الأولييْن، اللات والعزى، وتعبير الثالثة يوحي بالرابطة الهيكلية الهرمية في البناء الثالوثي الوثني!.
فحيثما كانت اللات وجدت العزى، ثم تتالت مناة, أي من كانت له مثل اللات بسط أمامه العزى لنفسه، فابتغاها الناس عنده، فيُملي للناس بعدها أن عنده مناة الناس وأقدارهم وموتهم وحياتهم وأرزاقهم.
ولا عجب يذكر الله نوء مناة في سورة النجم, فالنجم والنوء متلازمان, ثم يختم السورة بما يرُدّ لله قدره وقدرته وسلطانه﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى, وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا, وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأنثى, مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى, وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى, وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى, وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى سُورَةُ النَّجْمِ
والآيات عظيمة محقة للحق مبطلة للباطل، تبطل سطوة اللات والعزى بما تُحق لله من الخلق والموت والحياة والغنى والإقناء!.
وضمير الفصل هو, مفصل للحق, فيأتي به الله, ليصرف اللبس والشك عمن يفعل هذا, إذ المعنى تام بدونه, كما لو كانت وأنه أمات وأحيى, دون الإتيان بضمير الفصل, ولكن بضمير الفصل يزول اللبس والإشراك, ويخلص الفعل لله وحده, فهو أمات وأحيى, لا اللات ولا العزى ولا مناة الثالثة الاخرى, وانظر كيف يرفع الله ضمير الفصل هو فلا يذكره في ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأنثى, إذ ليس هذا فيما يُشرَك فيه ويلتبس مرده على الناس, فالمؤمن والمشرك يعرف أن لا خالق إلا الله, ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ الزُّخْرُفِ. فكل هذه الأفعال للسيّد المجيد الذي له الأسماء الحسنى!.
فانظر حولك –يرحمك الله- فلا تؤمننَّ أن لأحد سلطاناً في التقدير والأسباب سوى الله, فلا يحيي ولا يميت ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا هو. فانظر حولك واجتنب مناة!.
بَعْل
وهو إله السبب, والمسبِّب, وهو إله الماديين, وإله من يظن أن من قدم له شيئا, أو فعل به أو له شيئا, فبنفسه خلقه, ومن عنده بدأ, فهو بعله وسيده!.
وتدبر هذه الآية -يرحمك الله- ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءابَائِكُمُ الأَوَّلِينَسُورَةُ الصَّافَّآتِ, فذكر الله بعلا ثم ذكر أن الله هو أحسن الخالقين, فبعل لا يخلق ولا يفعل من ذاته, ثم ذكر الله أنه هو رب آبائهم الأولين, فمن عنده بدأ البدء, فهو السيد الأول الأعلى.
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنهَا بِإِسْحَقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ، قَالَتْ يَا وَيْلَتَى ءأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا؟، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ سُورَةُ هُود.. ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا؟ فالمرأة تظن أنه من عند بعلها يبدأ سبب الميلاد, وعنده ينتهي!.﴿أتعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِاللّه؟ ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ.... فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ البُرُوجِ
فاعلم أخي -يرحمك الله- أن الله هو سيدك الذي بدأك, وهو الفاعل الخالق من غير شيء ولا سبب. فاجتنب بعلا!.
ثم اعلم أنه ما عُبد شيء من دون الله إلا كان من هذه التسع!
إذا علمت ذلك يا أخي, وعلمت قدسيّة الأسماء التسعة والتسعين الحسنى, وسوءة الاسماء التسعة الباطلة, وكيف قام الدين كله, على الإيمان بـالتسعة والتسعين, والكفر بـالتسعة فاسأل نفسك: ماذا كان ذلك الشأن العظيم, في الأسماء التي علمها الله آدم, فعقد خلافة الأرض كلها, والإيمان والكفر كله, على من يعلم الاسماء!. ﴿ألَا لِلّهِ الدّيِنُ الخَالِصُ الزمر.
ثم اسأل نفسك يا أخي: لِمَ يرسل الله إلى آخر الأقوام ذكراً في القرآن, وأعلاهم كفرا, وهم فرعون وقومه, فيرسل إليهم موسى بـتسع آيات، على أنها كل آيات الله, ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ ءَايتِنَا كُلّهَا طه، وهو الله الذي يملك الخزائن كلها؟.
ثم اعلم أن الله ما أرسل الأنبياء إلا لإثبات أنه لا إله إلا هو، بأسمائه التسعة والتسعين، ولينفوا الشرك بالالهة التسع، ثم اعلم أن سورة الأنبياء -الذين عليهم إثبات الملّة- ذكرت الآلهة –هكذا بالجمع- تسع مرات، بتفرّد عن السور !.
هذا، والله أعلم بمراده.﴿ربّنا لا تُؤاخِذْنا إن نسِينَا أَوْ أخطَأنا.
هَديٌ من نبوة أحمد صلى الله عليه وسلم..
أيها الناس اتقوا هذا الشرك؛ فإنه أخفى من دبيب النمل. فقال له: من شاء الله أن يقول وكيف نتقيه، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم. رواه أحمد
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ يُوسُفَ

هناك 5 تعليقات:

  1. http://www.ahlulquran.net/new/study_details.asp?field=studies&id=76

    ردحذف
  2. بورك فيك اخي وجعله الله في ميزان حسناتك فائدة عظيمة جدا لم نعرفها من قبل

    ردحذف
  3. جزاك الله خيرا ...فقد حققت معني التدبر في القران بهذا التاويل والتفسير الذي يرتضيه العقل .. ( افلا يتدبرون القران ام علي قلوب اقفالها ) صدق الله العظيم .

    ردحذف
  4. جزاكم الله خيراً

    ردحذف